ابن عربي

260

مجموعه رسائل ابن عربي

نصب المنابر وأقعد عليها ارساله ، وأشهدهم جماله وجلاله ، وأنطقهم بأوضح ما تكلم به أو قاله : تعالى في ذاته عن إدراك المدركين ، وتسامى في قدسه أن تحيط به غايات السالكين ، حارت الأسرار في مشاهدة عظمته ، وعبدت الظلم أنوار كلمته ، واحتجب بسبحات عزة أحديته في أزلته وأبديته ، نزل في علو وعلا في نزوله ، وفصل في إجماله ، وأجمل في تفصيله ، اصطفاكم أيها الحائرون بالنعمة والرؤية ، وأوصلكم إلى منازل القرية والبغية ، وأحلكم الجوار الأحمى ، وحمى سلطانه بعز العماء فانعموا بالمعارف الصمدية ، وجولوا في ميادين الحقائق المحمدية ، وامتطوا متون العتاق الدرية ، وأنفسحوا في فسحات التوحيد ، وترأسوا بخصائص المشاهدة على كل موجود ، فطوبى لكم وحسن مآب وهنيئا لكم بما طوعتموه « 1 » من لباب معارف الألباب ، غضضهم الأبصار المشاهدة ، لم أزل في دنياكم أرغبكم في هذه المشاهدة للموافقة والمساعدة ، فقرت أعينكم بالمعاينة في المقدسة ، وأشوقكم إلى هذه المناصب المؤسسة ، وأحرضكم على تحصيل المقام المحمدي ، والتجلي الحدى ، فيقولون : « صدقت جزاك اللّه عنا خير ما جازى مرشد حق ، واقعدك عنده مقعد صدق » . خطيب الأشقياء صعد الخليفة الناطق ، منكوس الرأس ، وقام خدماؤه بين يديه : أهل الريب واللبس ، وقال : « الحمد للّه الذي لا أحكم عليه بوصف ، ولا أقيده بنعت ، فاني في موطن وقف أحتجب عن أبصار المعطلين ، وأهل الإصرار والذين أشركوا بين الاريسيين « 2 » والذين تملكوا ، فسألهم عن ذلك الرسول الأخفى ، فقالوا : ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى فأهلكتهم عادتهم ، ولم تنفعهم عبادتهم ، ولم تغن عنهم من اللّه شيئا آلهتهم ، وتبرأ منهم عند اضطرارهم أئمهم فلم تنبع البراءة أولئك الأئمة ، وضوعف عليهم العذاب خلف حجاب الظلمة ، فكانوا وأتباعهم عن سعادتهم بمعزل ، وأنزلوا في هذه الدار التي أنتم فيها ماكثون شر منزل ، أيها الحاضرون والجماعة السوء الخاسرون ، هذا مقام الأسف الذي لا ينجي حين لم يساعد الجد ، وهذا مواطن الاعتراف الذي لا

--> ( 1 ) في المطبوعة : « بما طعمتموه » . ( 2 ) في المطبوعة : « من الآدميين » .